بسم الله الرحمن الرحيم
فاتحة الخير .. وتمام كل نعمة
حديثنا اليوم ذا شجن .. وكنت أريد أتحدث عنه من فتره ..
لما نحن في حاجه له أنا أول المقصرين والأحوج منكم للتذكير..
فكلنا فيه مقصرون وان اجتهدنا ..
فمن الصعب أن نوفي الدين لأنه كبير جداا ..
ديننا من نحن مدينون لهم ..
لن نستطيع أن نوفي دينهم وان كنا نهرول مدى حياتنا من أجلهم ..
فهم من يؤثروننا على أنفسهم في كل شيء ..
من إن تألمنا تألموا قبلنا ..
وان حزنا حزنوا أكثر منا ..
وهمنا في قلوبهم صغارا أو كبارا ..
فنحن في أعينهم صغار ونحتاج لهم مهما كبرت الأبدان ..
وكثر عدد سنين العمر ..
هل عرفتم من اقصد .. نعم هم
(( الوالديــــــــــــــن ..))
مهجة القلب ..
فرحة الروح ..
وسعد النفس ..
من تكتحل العين برؤيتهم ..
هنا سوف أتطرق لأنواع وفضل بر الوالدين ..
وقبل هذا فالنتأمل بعض الآيات القرآنية التي أتت على ذكر فضل بر والوالدين
(( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً ))( الأحقاف:15 )
((وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً )) ( الإسراء:23 )
(( وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً )) ( النساء:36 )
(( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ))( الأنعام:15 )
(( وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ))(الإسراء:24 )
(( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي
عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ )) ( لقمان:14)
أنـــــواع البـــــــــــر:
1 - فعل الخير وإتمام الصلة وحسن الصحبة، وهو في حق الوالدين من أوجب الواجبات.
2 - لا ينبغي للإبن أن يتضجر منهما ولو بكلمة أف
بل يجب الخضوع لأمرهما، وخفض الجناح لهما،
ومعاملتها باللطف والتوقير وعدم الترفع عليهما.
3 - عدم رفع الصوت عليهما أو مقاطعتهما في الكلام،
وعدم مجادلتهما والكذب عليهما،
وعدم إزعاجهما إذا كانا نائمين،
وإشعارهما بالذل لهما، وتقديمهما في الكلام والمشي إحتراماً
لهما وإجلالاً لقدرهما.
4 - شكرهما الذي جاء مقروناً بشكر الله والدعاء
لهما لقوله تعالى: وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:24].
وأن يؤثرهما على رضا نفسه وزوجته وأولاده.
5 - اختصاص الأم بمزيد من البر لحاجتها وضعفها وسهرها وتعبها في الحمل والولادة والرضاعة.
والبر يكون بمعنى حسن الصحبة والعشرة وبمعنى الطاعة والصلة
لقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ
فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14]،
ولحديث: { إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات } [متفق عليه] الحديث.
6 - الإحسان إليهما وتقديم أمرهما وطلبهما،
ومجاهدة النفس برضاهما حتى وإن كانا غير مسلمين
لقوله تعالى: ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ) [لقمان:15].
7 - رعايتهما وخاصة عند الكبر وملاطفتهما
وإدخال السرور عليهما وحفظهما من كل سوء.
وأن يقدم لهما كل ما يرغبان فيه ويحتاجان إليه.
8 - الإنفاق عليهما عند الحاجة،
قال تعالى: قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [البقرة:215]،
وتعتبر الخالة بمنزلة الأم لحديث:
{ الخالة بمنزلة الأم } [رواه الترمذي وقال حديث صحيح].
9 - استئذانهما قبل السفر وأخذ موافقتهما إلا في
حج فرض قال القرطبي
رحمه الله: ( من الإحسان إليهما والبر بهما إذا
لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما).
10 - الدعاء لهما بعد موتهما وبر صديقهما وإنفاذ وصيتهما.
فضــــل بر الوالديــــن:
دلت نصوص شرعية على فضل بر الوالدين وكونه مفتاح الخير منها:
1 - أنه سبب لدخول الجنة: فعن أبي هريرة عن النبي
قال: { رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه }،
قيل: من يا رسول الله؟ قال:
{ من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة }
[رواه مسلم والترمذي].
2- كونه من أحب الأعمال إلى الله: عن أبي عبدالرحن عبدالله بن مسعود
قال: سألت النبي أي العمل أحب إلى الله؟
قال: { الصلاة على وقتها }. قلت: ثم أي؟
قال: { بر الوالدين }. قلت: ثم أي؟
قال: { الجهاد في سبيل الله } [متفق عليه].
3 - إن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله عز وجل:
عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: ( أقبل رجل إلى النبي فقال أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال : { هل من والديك أحد حي؟ }
قال: نعم بل كلاهما.
قال: { فتبتغي الأجر من الله تعالى؟ } قال: نعم.
قال: { فارجع فأحسن صحبتهما } ) [متفق عليه] وهذا لفظ مسلم وفي رواية لهما: { جاء رجل فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟
قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد }.
4 - رضا الرب في رضا الوالدين: عن عبدالله بن عمرو بن العاص
رضي الله عنهما عن النبي قال:
{ رضا الرب في رضا الوالدين،
وسخط الرب في سخط الوالدين } [رواه الترمذي وصححه إبن حبان والحاكم].
5 - في البر منجاة من مصائب الدنيا بل هو سبب تفريج الكروب
وذهاب الهم والحزن كما ورد في شأن نجاة أصحاب الغار،
وكان أحدهم باراً بوالديه يقدمهما على زوجته وأولاده.
هنا سوف نتوقف .. وقفه قصيرة ..لتحدث عن نقيض البر .. وهو العقوق والعياذ بالله منه ..
وان يقينا الله هذا الذنب والخذلان العظيم ..
العقوق هو النكران لحق اقرب الناس ..
وأحب والألطف واعطف قلوب علينا ..
والعقوق: هو العق والقطع، وهو من الكبائر بل كما وصفه الرسول من أكبر الكبائر وفي الحديث المتفق عليه:
{ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله، قال:
الإشراك بالله، وعقوق الوالدين.
وكان متكئاً وجلس فقال:
ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يرددها حتى قلنا ليته سكت }.
والعق لغة: هو المخالفة، وضابطه عند العلماء أن يفعل مع والديه
ما يتأذيان منه تأذياً ليس بالهيّن عُرفاً.
وفي المحلى لابن حزم وشرح مسلم للنووي:
( اتفق أهل العلم على أن بر الوالدين فرض،
وعلى أن عقوقهما من الكبائر، وذلك بالإجماع ) وعن أبي بكرة
عن النبي قال: { كل الذنوب يؤخر الله تعالى ما شاء منها إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين،فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الموت }رواه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك وصححاه].
الله المستعان ..
ونسأل الله أن يبعدنا عنه ..
ما حيينا .. ويمن علينا بفضل بر والدينا ..
قد فضل الله بر الوالدين ..
كان فضله عظيم عند الله ..
فالبار مستجاب الدعوه ..
ولا ترد دعوته عند الله ..
وبر الوالدين من أعظم القربات وأجل الطاعات،
وببرهما تتنزل الرحمات وتكشف الكربات.
فهذه قصة الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار فلم يستطيعوا الخروج منه،
فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة،
فادعوا الله بها لعله يفرجها فقال أحدهم:
((اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار،
كنت أرعى عليهم،
فإذا رجعت إليهم، فحلبت، بدأت بوالدي اسقيهما قبل ولدي،
وإنه قد نأى بي الشجر (أي بعد علي المرعى)
فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما،
فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب،
فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما،
والصبية يتضاغَون عند قدمي (أي يبكون)،
فلم يزل ذلك دَأْبي ودأبهم حتى طلع الفجر،
فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء
وجهك فافرج لنا ففرّج الله لهم حتى يرون السماء)).
فكان من بين الثلاثة حتى تنفرج كربتهم البار بوالدين كبيرين السن ..
الله اكبر .. والله أن في هذا القصة العبرة والتذكرة لمن أراد ..
وهذا من تحدث عنه رسول الله (أويس بن عامر)
ذاك رجل أنبأ النبي بظهوره، وكشف عن سناء منزلته عند الله ورسوله،
وأمر البررة الأخيار من آله وصحابته بالتماس دعوته
وابتغاء القربى إلى الله بها، وما كانت آيته إلا بره بأمه،
وذلك الحديث الذي أخرجه مسلم:
كان عمر إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم، أفيكم أويس بن عامر؟
حتى أتى على أويس بن عامر فقال:
أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد؟ قال: نعم،
قال: كان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟
قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال:
سمعت رسول الله يقول: ((يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من
مراد ثم من قرن، كان به أثر برص فبرأ منه إلا موضع درهم،
له والدةٌ هو بارٌ بها، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)).
فاستغفر لي، فاستغفر له، فقال له عمر: أين تريد؟
قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟
قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي.
هنا وقفه رائعة ومضيئة .. من أراد الاقتداء واخذ الخير منها ..
بل والله نشعر اننا مقصرون .. مقصرون .. إن تأملنا القصص الآتية ..
من اثر السلف الصالح .. في بر والديهم ..
أبو هريرة رضي الله تعالى
عنه كان إذا دخلت البيت قال لأمه :
رحمك الله كما ربيتني صغيرا,
فتقول أمه : وأنت رحمك الله كما برتني كبيرا .
ابن مسعود رضي الله تعالى
عنه أحضر ماء لوالدته فجاء وقد نامت فبقي
واقف بجانبها حتى استيقظت ثم أعطاها الماء .
خاف أن يذهب وتستيقظ ولا تجد الماء ,
وخاف أن ينام فتستيقظ ولا تجد الماء فبقي قائما حتى استيقظت.
وهذا ابن عون
أحد التابعين نادته أمه فرفع صوته فندم على هذا الفعل وأعتق رقبتين .
كان ابن سيرين
إذا كلم أمه كأنه يتضرع وإذا دخلت أمه يتغير وجهه .
كان الحسن البصري
لا يأكل من الصحن الواحد مع أمه يخاف أن تسبق يده
إلى شيء وأمه تتمنى هذا الشيء .
حيوة ابن شريح
أحد التابعين كان يدرس في المسجد وكانت تأتيه أمه فتقول له :
قم فاعلف الدجاج فيقوم ويترك التعليم براً بوالدته
ولم يعاتبها ولم يقل لها أنا في درس ,
أنا في محاضره , أنا في مجلس ذكر .
أما سمعتم بخبر أويس القرني !!
هذا الرجل هو الرجل الوحيد الذي زكاه النبي صلى الله عليه وسلم
وهو من التابعين وحديثه في صحيح مسلم ,
قال النبى صلى الله عليه وسلم للصحابة :
(يأتيكم أويس ابن عامر من اليمن كان به برص فدعى الله فأذهبه أذهب
الله عنه هذا المرض كان له أم كان له أم هو بها بر .
يا عمر إذا رأيته فليستغفر لك فمره يستغفر ).
وقبل الختام .. لا يتحسر من مات احد أبويه إن كل هذا الخير الكثير قد فاته ..
فبرهم ليس في حياتهم فقط إنما حتى بعد الممات .
البر بعد الموت:وبر الوالدين لا يقتصر على فترة حياتهما
بل يمتد إلى ما بعد مماتهما ويتسع ليشمل ذوي الأرحام وأصدقاء الوالدين؛
{ جاء رجل من بني سلمة فقال:
يا رسول الله. هل بقي من بر أبواي شيء أبرهما بعد موتهما؟
قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما،
وإنفاذ عهدهما بعدهما، وصلة الرحم التي
لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما }
[رواه أبو داود والبيهقي].
وفي ختام قولي عسى ان يكون ما طرح لوجه الله تعالى ..
وفي ثواب والدي ..
فإن أصبت فمن فضل ربي علي
وان أخطأت فمن نفسي والشيطان
وسبحانك اللهم بحمد اشهد أن لا إله إلا أنت
أستغفرك وأتوب إليك
*
*
*
ولكم مني كل احترام وتقدير